الشيخ محمد رشيد رضا

216

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما حرم علينا في ديننا لذاته وهو الميتة ولحم الخنزير وكذا الدم المسفوح قطعا وان لم يذكر فيما تقدم من النقل ، ولا نعلم أن أحدا منهم يأكله أو يشربه وكذلك الميتة كلهم يحرمونها . ولحم الخنزير محرم بنص التوراة إلى اليوم ، وقد استباحه النصارى بإباحة مقدسهم بولس . وقد اختلف الفقهاء فيما عدا ذلك كما علمت فكل ما أكلناه مما عدا ذلك من طعامهم نكون موافقين فيه لقول بعض فقهائنا الذين شدد بعضهم وخفف بعض في هذه المسائل ، وأشد الفقهاء تشديدا في ذلك وفي أكثر الاحكام الشافعية . ومن تأمل أدلة الجميع رأى أن أظهرها قول الذين أخذوا بعموم قوله تعالى ( وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ ) ولم يخصصوه بذبائحهم فضلا عن تخصيصه بحبوبهم كالشيعة ولا يشترط في حل طعامهم ان يأكل منه أحبارهم ورهبانهم كما قال ابن العربي واختاره شيخنا الأستاذ الامام مفتي مصر في الفتوى الترنسفالية فهو تشديد لا مستند له - في غير ما أهل به لغير اللّه - الا الثقة بأن يكون ما يأكلونه غير محرم عليهم في كتبهم ، وقد نسخت شريعتنا كتبهم كما قال الشافعي وغيره فلا عبرة بما حرم عليهم فيها وقد قال اللّه تعالى في صفات خاتم النبيين ( وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ) ولا يشترط أيضا ان يكون طعامهم موافقا لشريعتنا سواء كانوا مخاطبين بفروعها قبل الايمان كما يقول الشافعي أو غير مخاطبين بها الا بعد الايمان كما يقول الجمهور ، إذ لو كان هذا شرطا لما كان لإباحة طعامهم فائدة قال ابن رشد في بداية المجتهد ما نصه : « ومن فرق بين ما حرم عليهم من ذلك في أصل شرعهم وبين ما حرموا على أنفسهم قال ما حرم عليهم هو أمر حق فلا تعمل فيه الذكاة وما حرموا على أنفسهم أمر باطل فتعمل فيه التذكية . قال القاضي : والحق ان ما حرم عليهم أو حرموه على أنفسهم هو في وقت شريعة الاسلام أمر باطل إذ كانت ناسخة لجميع الشرائع فيجب أن لا يراعى اعتقادهم في ذلك . ولا يشترط أيضا ان يكون اعتقادهم في تحليل الذبائح اعتقاد المسلمين ولا اعتقاد شريعتهم لأنه لو اشترط ذلك لما جاز أكل ذبائحهم بوجه من الوجوه لكون اعتقاد شريعتهم في ذلك منسوخا واعتقاد شريعتنا لا يصح منهم ، وانما هذا حكم خصهم اللّه تعالى به فذبائحهم واللّه أعلم جائزة على الاطلاق والا ارتفع حكم آية التحليل